iqraaPostsStyle6/random/3

التوحد في المغرب الأسباب والعقبات وجهود الدولة

الكاتب: مدونة معلميتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة

التوحد في المغرب الأسباب والعقبات وجهود الدولة

التوحد في المغرب الأسباب والعقبات وجهود الدولة المغربية


مرحبا بك في مدونة معلمي، 

  • مقدمة
يعتبر التوحد أو اضطراب طيف التوحد حالة عصبية نمائية، يؤثر مرض التوحد سلبا على تفاعل المريض الاجتماعي من حيث التواصل والسلوكيات والتعامل.

سنتحدث في هذه المقالة عن التوحد في المغرب وعن المشاكل والتحديات الكبيرة التي يعاني منها المصاب بهذا الاضطراب. حيث تتعلق هذه التحديات بضعف الوعي المجتمعي وغياب التعليم والرعاية الصحية المناسبة لهذه الفئة من المجتمع.

كما سنتحدث عن بعض الجهود التي تبدلها الدولة المغربية إلى جانب جمعيات المجتمع المدني من أجل هذه الفئة، بالرغم من محدودية هذه الجهود.

نروم في هذه المقالة تقديم تصور شامل عن اضطراب التوحد في المغرب وذكر أسبابه الصحيحة. بالإضافة إلى عرض التحديات التي تواجه ادماج هذه الفئة للاستفادة خدمات التعليم والصحة. وذلك بالاعتماد على أمثلة وأرقام واقعية من أجل إغناء النقاش.

ضعف الوعي الصحي و المدرسي بالتوحد في المغرب

التوحد في المغرب بين الأرقام والواقع

تغيب إلى حدود كتابة هذه الأسطر إحصائيات رسمية دقيقة حول أعداد المصابين باضطراب التوحد في المغرب. وبالرغم من ذلك، هناك تقديرات غير رسمية (ويكيبيديا العربية) تؤكد أن الأعداد تقارب 20000 حالة مرضية وذلك وفقا لإحصائيات تعود لسنة 2000.

في أحدث تقرير نشرته جريدة (هسبريس) المغربية سنة 2016 أشار إلى أن الأعداد تقارب 340 ألف شخص مصاب باضطراب التوحد في المغرب، ثلث هذا العدد عبارة عن أطفال.

تبين هذه الأرقام الضخمة بأننا في حاجة إلى استراتيجية فعالة من أجل التعامل مع مشكلة التوحد بجدية وليس بانتقائية. حيث تعتمد الغالبية المصابة بالتوحد على عائلاتها، وذلك بسبب ضعف خدمات المراكز الصحية المتخصصة وغيابها في الكثير من المناطق. وحتى في مدينة مراكش المغربية الكبيرة هناك نقص حاد جدا في الجمعيات المتخصصة في التعامل مع التوحد. الإضافة إلى قلة أطباء الطب النفسي المتخصصون في اضطرابات الطفولة، وهو الأمر الذي يزيد من وحدة الأسرة التي تتعامل مع أفرادها المتوحدين.

أسباب التوحد في المغرب بين العلم والخرافات

الأسباب العلمية للإصابة بالتوحد

تعود الأسباب الرئيسية لاضطراب التوحد حسب منظمة الصحة العالمية World health organization إلى أسباب جينية وبيئة معقدة. حيث تشير الدراسات إلى أن الجينات تعلب دورا محوريا تصل نسبة إلى 80% في حالات التوحد، بينما تتجلى بقية النسبة في عوامل بيئية كالتعرض لمواد كيميائية خلال فترة الحمل أو بسبب النقص في التغذية.

في المغرب نجد ضعفا كبيرا في مثل هذه الأبحاث التي تستهدف أسباب الإصابة باضطراب التوحد بالرغم من بعض الأبحاث الجينية المحدودة في هذا المجال والتي يجريها مثلا مختبر البيوتكنولجيا بكلية الطب والصيدلة بمدينة الرباط.

الزواج داخل نفس العائلة و علاقته بالتوحد

يعتقد البعض في المغرب أن الزواج بين الأقارب، مثل ابن العم أو ابنة الخال، قد يكون سببًا رئيسيًا للتوحد. هذا الاعتقاد منتشر خاصة في القرى التي يتزوج فيها الأفراد داخل نفس العائلة لعدة أجيال. من الناحية العلمية، الزواج بين الأقارب قد يزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض الوراثية النادرة، لكنه ليس السبب المباشر للتوحد. دراسة أجرتها جامعة محمد الخامس بالرباط أشارت إلى أن نسبة الزواج بين الأقارب في المغرب تصل إلى 25% في بعض المناطق القروية، مما يثير تساؤلات حول تأثيره على انتشار بعض الاضطرابات، لكن لا توجد أدلة علمية قاطعة تربط ذلك بالتوحد بشكل مباشر.

الهاتف والألعاب الإلكترونية و علاقته بالتوحد

في المغرب، كلما سألت شخصا عن أسباب التوحد الحقيقية يقول لك بأن ذلك يعود لاستعمال الهاتف أو الألواح الإلكترونية من طرف الأطفال. هذا الاعتقاد الخاطئ يأتي من بعض العلامات التي تطرأ على الأطفال كثير استعمال الهاتف، خصوصا خلال السنوات الأولى من عمرهم، من بين هذه العلامات نذكر تأخر النطق أو الانعزال الناتج عن الإدمان على استعمال هذه الوسائل التكنولوجية.

لكن الأطباء النفسيون مثل الدكتور يوسف موحي أخصائي الأمراض النفسية والعصبية، يؤكدون بأن التوحد ناتج عن اضطراب عصبي يولد مع الطفل، وليس نتيجة عوامل خارجية مثل كثرة استعمال الهاتف، بالرغم من خطورة الهاتف كذلك على الأطفال الصغار سواء كانوا طبيعيين أو مصابين بالتوحد، لكن لا علاقة للأمر بالتسبب المباشر في التوحد.


علاقة الهاتف و الانترنت بالتوحد

التوحد والتعليم في المغرب التحديات والمشاكل

صعوبات الأساتذة مع التوحد

في المدارس المغربية، يواجه الأساتذة تحديات كبيرة عند التعامل مع الأطفال المتوحدين، خاصة في الحالات الحادة. على سبيل المثال، قد يرفض مدير مدرسة قبول طفل متوحد خوفًا من تأثيره على التلاميذ الآخرين، بينما في حالات القبول، يجد الأستاذ نفسه غير مجهز للتعامل مع سلوكيات مثل العنف أو الانعزالية. في إحدى الحالات التي قمت برصدها شخصيا، تعرض طفل متوحد للتنمر خارج مؤسسة اعدادية، فقام برد فعل عنيف بضرب تلميذ آخر بحجر، مما تسببه لهذا الأخير في إصابة خطيرة على مستوى الرأس.

لم يتم تكوين الأساتذة للتعامل مع حالات التوحد، وحتى إذا تم تدريبهم فمن الصعب جدا التعامل مع قسم به أكثر من 30 تلميذا عاديا بالإضافة إلى الأطفال المصابون بالتوحد. الأسر بطبيعة الحال لن تفهم رفض المدارس العمومية إدماج أطفالها المتوحدون في التعليم العمومي بشكل عادي. لأن هدفها الأول هو تدريس طفلها وعدم تعريضه للهدر المدرسي.

في الحالات القليلة التي يتم فيها إدماج أطفال التوحد في الأقسام العادية، يشتكي الأساتذة المكلفون بتدريس هذه الأقسام من كثير من الصعوبات التي يجدونها مع هؤلاء الأطفال. بالإضافة إلى شكاوى الأسر الأخرى التي ترى بأن تدريس أطفالها يتأثر بشكل سلبي بسبب وجود طفل متوحد في القسم معهم.

غياب الدعم في المناطق النائية

في المناطق والقرى النائية، تتفاقم مشكلة الأطفال المتوحدين بسبب غياب المدارس الخاصة بهم وانعدام الجمعيات المهتمة بذوي الاحتياجات الخاصة بشكل عام. حيث وجدت مثلا في مناطق تارودانت وزاكورة التي قمت بالتدريس فيها منذ سنوات أن الطفل المتوحد يبقى حبيس المنزل ولا يستفيد من أي تعليم أو تأطير.

المدارس الخاصة: امبراطوريات رأسمالية

المدارس الخاصة في المغرب والتي يبدو بأنها لا تهتم إلا بجمع الأموال وتحقيق الأرباح ومراكمتها، لا تهتم بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، لأنهم تعتبرهم عبئا إضافيا. ويبدو من كثير من الحالات التي توجهت للقضاء بسبب رفض تسجيل أطفالها في هذه المدارس الخاصة بأنها ليست مدارسا مواطنة.

مبادرات الدولة المغربية ضد التوحد


أقسام ذوي الاحتياجات الخاصة


أطلقت وزارة التربية الوطنية بشراكة مع وزارة الصحة مبادرة لإنشاء أقسام خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، بما في ذلك اضطرابات التوحد، وذلك في إطار ما يسمى بالتربية الدامجة. بحسب تقرير "هسبريس" سنة 2022، تم تجهيز بعض المدارس بقاعات وموارد للتأهيل والدعم، لكن هذه المبادرة تواجه تحديات مثل نقص الأطر الطبية والتربوية المختصة. بالرغم من ادماج هذه الأقسام فقط بالمدارس العمومية بالمدن الكبيرة وغيابها بالضواحي والأرياف. كما فتحت الوزارة مباريات لانتقاء الأساتذة العاملين بالقطاع العمومي من أجل العمل في هذه الأقسام الخاصة بالتربية الدامجة، لكن ضعف التحفيزات المتعلقة بساعات العمل وبالحوافز المادية قلل من مشاركة الأساتذة في هذه المبادرات. مما أدى بالكثير منها للفشل لغياب أستاذ راغب في التدريس بهذا النوع من الأقسام.

ربط الشراكة مع الجمعيات

ربطت الحكومة عدة شراكات مع الجمعيات المهتمة بذوي الاحتياجات الخاصة وخصوصا الفئة التي تعاني منهم من التوحد. ونذكر كمثال هنا جمعية رائدة وهي "جمعية تحدي الإعاقة بمدينة تزنيت" والتي استفدت منها شخصيا حيث اجتزت تكوينا مع ذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال الذين يعانون من التوحد لمدة أسبوعين.

وقد تم توقيع اتفاقية شراكة بين هذه الجمعية والمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بإقليم تزنيت حول تدبير مدرسة الفرصة الثانية (الجيل الجديد) بمركز الثانوية الإعدادية مولاي سليمان بمدينة تزنيت.

جهود وزارة الصحة

أكدت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية المغربية في بيان لها سنة 2023 أنها تعمل على تطوير مراكز خاصة بالترويض الطبي، حيث وصل عددها إلى 21 مركزًا على المستوى الوطني. تهدف هذه المراكز إلى تقديم خدمات إعادة التأهيل للأطفال المتوحدين، لكنها لا تزال غير كافية لتغطية الطلب المتزايد ولا تغطي هذه المراكز كافة التراب الوطني المغربي.

التحديات المجتمعية والثقافية التي تواجه المتوحدين


التنمر وضعف الوعي حول التوحد

يعاني الأطفال المتوحدون، خاصة منهم المصابون باضطراب التوحد الخفيف، من التنمر في المدارس. في حالة شخصية، طفل في المستوى السادس الابتدائي تعرض للسخرية من زملائه بسبب سلوكه غير المعتاد، مما دفعه لرد فعل عنيف. غالبية المغاربة لا يفهمون طبيعة التوحد، ويخلطون بينه وبين الإعاقات الذهنية الأخرى أو يسمونه "الجنون"، مما يزيد خوف الأسر من وصمة العار الشيء الذي يؤدي بها إلى إبقاء هؤلاء الأطفال في المنازل.

المعتقدات الخرافية المتعلقة بالتوحد

في المناطق القروية، لازالت فئة كبيرة من المواطنين يعتقدون بأن المصاب باضطراب التوحد يعاني من "المس" أو "السحر". في تقرير نشرته جريدة "هسبريس" الإلكترونية وثقت حالة طفل متوحد تم تكبيله بالسلاسل في غرفة لأن عائلته اعتقدت أنه ممسوس. كما كانت عائلات الأشخاص المصابون بالتوحد يضعونه داخل الأضرحة مثل ضريح "بويا عمر" لاعتقادهم بأنها الوسيلة الوحيدة من أجل الشفاء.

كانت هذه العوائل تُستغل ماديا من طرف المشعوذين المكلفين ب "معالجة" أطفالهم حسب قولهم، وكان هؤلاء المرضى يتعرضون لمختلف أنواع العنف الجسدي والنفسي والتكبيل بالسلاسل وغيرها من وسائل التعذيب. وفي النهاية تدخلت الدولة المغربية من أجل إغلاق ضريح بويا عمر وتوجيه المرضى إلى مستشفيات نفسية.

الاعتداء الاسري على اطفال التوحد

دور الأسر والمجتمع في مواجهة التوحد

تعتبر الأسر في المغرب الملجأ الأساسي والوحيد في غالبية الأحيان في رعاية المتوحدين، لكنها غالبًا تشعر بالعار أو ترفض الاعتراف بمشكلة التوحد، خصوصا إذا تم إخبارها من طرف المؤسسات التعليمية بضرورة عرض طفلها على اخصائي للتأكد، وفي إحدى الحالات، اتصل مدير مدرسة ابتدائية بعائلة للإشارة إلى احتمال إصابة طفلها بالتوحد، لكن الأم رفضت الفكرة وانسحبت من المدرسة. هذا الرفض يعكس غياب التوعية الإعلامية، حيث يتم تغييب مرض التوحد في البرامج الوثائقية وفي الأفلام والبرامج التلفزية بالمغرب.

حلول و اقتراحات لتجاوز صعوبات التوحد

تعزيز التوعية

  1. إطلاق حملات إعلامية عبر التلفزيون والإذاعة لتغيير نظرة المجتمع تجاه التوحد.
  2. تنظيم حملات تحسيسية داخل المدارس المغربية للتحسيس بكيفية التعامل مع مرضى التوحد.
  3. تنظيم حملات تحسيسية داخل المساجد المغربية خلال خطب الجمعة للتذكير بأن هذا المرض لا علاقة له بالسحر أو أمور خارقة، بل هو مرض عصبي.

تكوين الأساتذة

توفير دورات تدريبية متخصصة للأساتذة بشكل تطوعي حول برامج مثل "تيتش TEACCH، وهو علاج خاص بتعليم الأطفال المصابين بالتوحد وإعاقات التواصل المرتبطة مع تقديم حوافز مالية مناسبة لتشجيع الأساتذة الذين يملكون خبرة في التدريس في المشاركة في تدريس الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

توسيع عدد المراكز و الشراكات مع الجمعيات

من المهم جدا دعم الأطفال الذين يعانون من التوحد بالمناطق النائية، وذلك بإنشاء مراكز خاصة بالدراسة والدعم وأن تكون هذه المراكز مجهزة بفضاءات للإقامة والإطعام، وذلك من أجل تسهيل مأمورية التنقل على العائلات.

كما يجب توسيع نسيج الجمعيات المكلفة بالطفولة المصابة بالتوحد وتكوينها من أجل أن تشمل كافة التراب الوطني لتعميم الفائدة على جميع هذه الفئة من المواطنين.

دعم الأبحاث العلمية

يجب تمويل الدراسات الجينية والبيئية من أجل فهم أفضل للأسباب الحقيقية للتوحد، خصوصا في بلدنا المغرب.
  • خاتمة
التوحد في المغرب قضية معقدة تتطلب تضافر جهود الحكومة، المجتمع، والأسر. رغم المبادرات الواعدة مثل أقسام ذوي الاحتياجات الخاصة (التربية الدامجة) إلا أن التحديات لازالت كبيرة. حيث ينقص التكوين والوعي الصحي والمدرسي بهذا الاضطراب.

لا يمكن لشخص أن يعتقد بأن أطفالهم ربما سيسلمون من هذا المرض، فهو لا يفرق بين غني أو فقير. لذلك يجب على الجميع الانضمام للمجهودات التي تبذلها الدولة وجمعيات المجتمع المدني لجعل المغرب مكانا أفضل لهذه الفئة المريضة من الأطفال.

  • المصادر :
  1. التدبير الطبي والأسري لوصم التوحد في مدينة القنيطرة المغربية
  2. البرنامج الوطني للتأهيل في مجال إعاقة التوحد "رفيق"
  3. الإطار المرجعي للتربية الدامجة لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة
التصنيفات

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

7774673206035171072

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث